أخبار »

لماذا أهملت دراسات الشرق الأوسط الربيع العربي: أسطورة الاستقرار السلطوي

حتى هذا العام تباهى الوطن العربي بلائحة طويلة من أمثال هؤلاء الحكام: معمر ألقذافي الذي استولى  على الحكم عام 1969وحكمت عائلة الأسد سوريا منذ عام 1970 وعلي عبدا لله أصبح رئيساً لجمهورية اليمن الشمالية (ولاحقاً اليمن الجنوبي) عام 1978، حسني مبارك استلم حكم مصر عام 1981، وزين العابدين بن علي استولى على رئاسة تونس عام 1987. أما الملكيات العربية فتمتعت بفترات حكم أطول بكثير فالهاشميون يديرون الحكم في الأردن منذ عام 1920، وآل سعود لا يزالون يحكمون المملكة العربية السعودية الموحدة منذ عام 1932، والعائلة العلوية في المغرب (مراكش) وصلت إلى الحكم في القرن السابع عشر.

استمرت هذه الأنظمة بالحكم لعقود جرت خلالها موجات من الديمقراطية عبر آسيا الشرقية وأوروبا الشرقية وأمريكيا اللاتينية وفي الدول الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى وحتى جيران الدول العربية في الشرق الأوسط (إيران وتركيا) عرفت تغييراً  سياسيا ضخماً خلال تلك الفترة من الزمن، ثورة وثلاثة عقود من الصراع السياسي في إيران، وما يشبه حزباً سياسياً إسلامياً يبني نظاماً سياسياً أكثر انفتاحا وديمقراطية في تركيا العلمانية.
بالنسبة للكثيرين من اختصاصي الشرق الأوسط كان هذا السجل البارز من استقرار الأنظمة في مواجهة العديد من التحديات يتطلب الانتباه الشديد والتحليل. أنا أحد هؤلاء الخبراء. لقد كتبت على صفحات هذه المجلة عام 2005 (“هل بإمكان الديمقراطية وضع حد للإرهاب؟” بتاريخ أيلول/تشرين أول 2005). قلت فيه أنه على الولايات المتحدة ألا تشجع الديمقراطية في الوطن العربي لأن حلفاء واشنطون من الأوتوقراطيين العرب يشكلون رهاناً للاستقرار للمستقبل. وعلى هذا الأساس كنت مخطأً بشكل بارز. وانتظرت أن تكون الحكومات العربية الديمقراطية أقل تعاوناً مع الأهداف السياسة الأمريكية الخارجية في المنطقة. وسيبقى هذا الاحتمال سؤالاً مفتوحاً للمستقبل. هذا بالرغم أن أكثر زملائي يدعمون المزيد من الجهود لدعم الإصلاح السياسي العربي. لم أكن الوحيد المتشائمskepticism  حول احتمال الانتقال إلى تحول ديمقراطي كامل في مواجهة أنظمة أوتوقراطية ثابتة غير قابلة للانهيار.

تفهمنا ما فقدنا وما غالينا في تقديره في تفسيراتنا حول استقرار الأنظمة الأوتوقراطية – وتفهمنا لماذا قمنا بذلك – ما هو إلا أكثر من مدلول أكاديميي مهم. المحللون الإقليميون يجب أن يحددوا التغييرات التي حدثت في القوى التي كانت حجر الزاوية لاستقرار الأنظمة العربية على مدى أربعة عقود والعوامل الجديدة التي انبثقت لإشعال الثورات الحالية.

 

المهمة الأولى هي ما عرفه الأكاديميون وما لم يعرفوه. لنبدأ بالمهم أن نقر بأن القليلون، إذا توفر أي منهم من علماء السياسة، من الذين يعملون في الشرق الأوسط الذين فسروا الاستقرار الغريب الشكل للأنظمة العربية بمصطلحات ثقافية – علامة تقدم في مجال الدراسة على العهود السابقة. إن الأدبيات العربية عن كيفية تمكن الدكتاتوريون العرب من الاستمرار بتحمل الأمثال القديمة عن كيف أن الإسلام منافي للديمقراطية أو كيف أن الأدب العربي يستمر متمادياً بالأبوية السلطوية وتقليدي جداً ليتمكن من التغيير الديمقراطي. لقد فهمنا كم كان مفهوم الديمقراطية شعبياً في المجتمع العربي عندما أعطي الفرصة ليدلي بأصواته بأعداد كبيرة. كما فهمنا أن العربي لن يقبل بالاستسلام للحكم الاستبدادي. من الجزائر حتى العربية السعودية، لم يتمكن الحكام السلطويون العرب من البقاء في السلطة عبر السنين الأربعين الأخيرة إلا بواسطة الاستبداد وقمع المحاولات الشعبية للإطاحة بهم، أكان ذلك بدافع القمع السياسي أو أسعار المواد الغذائية. لقد برهن المواطنون العرب عن رغبتهم وإمكانيتهم لتجيش أنفسهم وطاقاتهم في مواجهتهم لحكوماتهم. ولكن هذه الحكومات نجحت نجاحا كاملاً قبل 2011 في ومواجهة شعوبهم واستيعاب ثوراتها.

نتيجة لذلك، وجه الأكاديميون جل انتباههم نحو تفسير الآلية التي طورتها الدول العربية  للتجاوز الخلاف في الرأي وتنجو سالمة. مع أن مختلف العلماء ركزوا على نواحي مختلفة في هذا الموضوع، من المعاهد المحلية إلى إستراتيجيات الدولة، أكثرهم نسبوا استقرار الدكتاتوريون العرب إلى لعاملين: شبكة الأجهزة العسكرية–الأمنية وسيطرة الدولة على الاقتصاد. في كل من هذه المجالات، نحن في المجتمع الأكاديمي قدمنا افتراضات، التي مع أنها كانت تبدو منطقية في الماضي، ولكنها في عام 2011 أصبحت خاطئة.

معظم علماء السياسة افترضوا أنه ليس هناك من بعد بين الأنظمة الحاكمة وقواتها العسكرية وأجهزتهم الأمنية. لم يكن هذا الافتراض غير منطقي. كثيرون هم الرؤساء العرب الذين ارتدوا البزة العسكرية قبل يستلموا الحكم بمن فيهم بن علي ومبارك. مع انطلاق الانقلابات العسكرية العربية فيما بين 1950 و 1960، الرؤساء العرب أقاموا المؤسسات ليحققوا السيطرة السياسية على جيوشهم، وفي بعض الحالات أقاموا قوات عسكرية رديفة مناوئة لجيوشهم لإيجاد توازن قوى مع الجيش. الجيوش العربية ساعدت الأنظمة الحاكمة لربح الحروب الأهلية وضرب الانتفاضات. نتيحه ذلك افترض معظم خبراء الشرق الأوسط أن الجيوش العربية والأجهزة الأمنية لن تقوم أبداً بالانفصال عن حكامها. هذا الافتراض كما هو ظاهر برهن على خطئه. العلماء لم يفترضوا أو يقدروا الطرق المختلفة التي يمكن أن ترد بها الجيوش العربية على المظاهرات الشعبية السلمية العارمة هذه السنة. هذه نتيجة لذلك، معظم خبراء الشرق الأوسط توصلوا إلى التكهن أو تقدير الطرق المختلفة التي تتفاعل مع انتفاضات الجيوش العربية هذه الغفلة كما هو جلي حصلت لأن، كمجموعة، فقد خبراء الشرق الأوسط الاهتمام بدراسة دور العسكر في السياسة العربية. هذا مع أن هذا الموضوع كان يشكل أبرز النواحي بالنسبة للدراسات الشرق أوسطية – عندما قامت انقلابات 1950 و 1960 شكلت مركز انتباه أكاديميي تلك الفترة من الزمن – الاستقرار العجيب للأنظمة العربية منذ ذلك الوقت ساقنا للاعتقاد بأن القضية لم تعد مهمة. ومع ذلك فإن مراجعة أولية للثورات الأخيرة تبين أن هناك عاملين يبينان كيفية تفاعل الجيوش العربية مع عدم الاستقرار: التركيبة الاجتماعية لكل من النظام والجيش ومستوى الوضع الإداري والمهني للجيش بحد الذات.

الدول التي قام فيها الجيش، كمؤسسة، بالانحياز إلى جانب المتظاهرين، مصر وتونس، هما من أكثر المجتمعات تجانساً في الوطن العربي. كليهما يحتوي على أكثرية سنية. (الأقلية ألقبطية المسيحية تلعب دوراً اجتماعياً مهماً في مصر ولكنها ذات تأثير سياسي محدود – 12 مليون من أصل 82 مليون نسمة – المترجم) كل من الجيشين المصري والتونسي نسبياً مهني.، ولا يشكل أي منهما أداة في يد الحاكم. وقد أدرك قادة الجيش قي كل من الدولتين أنه بإمكان مؤسستيهما أن تلعب دوراً مهما في ظل النظام الجديد وبالتالي فإنهما على استعداد للمخاطرة بالقضاء على الحرس القديم. في الدول العربية التي تشكل القوى المسلحة أقل مؤسساتياً، وحيث القوى الأمنية يمسك بقيادتها أفراد من العائلة الحاكمة وتشكل أداة بيد الحاكم وعائلته، انقسمت هذه القوات أو انحلت عند مواجهتها للاحتجاجات الشعبية. في كل من ليبيا واليمن، ساندت الوحدات التي تمسك بقيادتها العائلة الحاكمة النظامين، بينما انحازت الوحدات الباقية إلى المعارضة، أو أحذت وضعاً محايداً، أو ذهب أفرادها إلى بيوتهم. في مجتمعات منقسمة، حيث يشكل النظام أقلية أثنية، طائفية أو مناطقية وشكلت قيادة من الضباط تنتمي أكثريتهم إلى الأقلية، ساندت الجيوش أنظمتها. وفي البحرين حيث تقود القوات الأمنية مجموعة من الضباط من الطائفة السنية، في دولة ذات أكثرية شيعية، وقفت هذه القوات بقوة لحماية النظام الملكي السني. في الأردن يبقى الجيش موالياً للملكية بالرغم من عدم الاستقرار في صفوف الأكثرية الفلسطينية. في السعودية العربية الحرس الوطني يتشكل أفراده من قبائل المنطقتين الوسطى والغربية. في كل هذه الدول المنطق بسيط، إذا سقط النظام استلمت الأكثرية الحكم، وفي أكثر الحالات تستبدل قيادة الجيش أيضاً.

رد فعل الجيش على الأزمة التي  تواجه نظام الأسد سيشكل امتحاناً مهماً على هذه الفرضية. أعضاء عائلة الأسد يقودون قطاعا ت مهمة من الجيش، أفراد من الطائفة العلوية وغيرهم من جماعات الأقليات يقودون نسبة لا بأس بها ضباط قطاعات الجيش في الدولة ذات الأكثرية السنية. إذا تمكنت جماعات الأقليات من الصمود، سيتمكن الأسد من المحافظة على السلطة. ولكن إذا بدأ الضباط الناقمون ينظرون إلى الجيش كأداة لعائلة الأسد بالذات، سيتمكنون من القضاء على النظام. على كل، عندما يهدأ الغيار، يجب على المتخصصين بقضايا الشرق الأوسط أن يعيدوا النظر في تقديراتهم حول العلاقة بين الدول العربية وجيوشها – يمكن أن يكون العامل ألأساسي في تقدير بقاء النظام في الأزمة.

سيطرة الدولة على الاقتصاد في الشرق الأوسط كان ركيزة أخرى لاستقرار النظام كما حدده الأكاديميون. افترض علماء العلماء أن الدول العربية التي تملك شيكات، تقدم خدمات وتوجه الاحتياط النفطي وعائداته استغلت هذه الثروات للسيطرة على الاقتصاد ببناء شبكة رعاية مؤمنة خدمات اجتماعية وتوجيه تنمية القطاع الخاص المستقل. وعبر هذه الأرصدة يقوم الحكام العرب بوصل مصالح الدوائر الانتخابية المهمة بالنسبة لاستمرار يتهم وهدأت روع بقية مواطنيهم بواسطة رشاوى زمن الأزمات. بالفعل، منذ انطلاق الانتفاضات العربية الحالية، لم يواجه أي من مصدري النفط الرئيسيين العرب (الجزائر، العراق، الكويت،ليبيا، قطر المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة) فقط ليبيا واجهت استهداف خطير. بقيت عائمة بواسطة أسعار النفط المرتفعة، تمكن مصدرو النفط الآخرون من مواجهة معارضات محتملة بواسطة توزيع زيادة رواتب موظفي الدولة وزيادة الدعم للسلع الاستهلاكية ووظائف عامة جديدة وهبات مباشرة للمواطنين. مثل القذافي  يؤسس على أن مبدأ دخل النفط يجب أن تذهب لمشاريع منتجة، بدلا من تهدر على مشاريع تافهة وخطط رعناء، كي تحمي نظام. لذا، فالثورات العربية الأخيرة، قد تبدو مؤهلة للتصديق على صحة هذا الجزء من المثل الأكاديمي على استقرار النظام.

لقد وضعت ثورات هذا العام الأسس الاقتصادية لاستقرار الأنظمة العربية في مجال الشك عندما يتعلق الأمر بالدول العربية الغير منتجة للنفط.. مع أن الدول البترولية العربية اعتمدت على دخلها من النقط لتفادي الإصلاح الاقتصادي، التغييرات في الاقتصاد العالمي ومتطلبات التحرير للمعونات الدول الأجنبية أجبرت خلال العقدين الماضيين الدول الغير منتجة للنفط على تحديث اقتصادياتها. عدد من الأنظمة العربية بينها مصر، الأردن، تونس والمغرب حولت الملكيات العامة إلى القطاع الخاص (الخصخصة) وشجعت الاستثمارات الأجنبية وأوجدت الحوافز لتسريع انطلاق القطاع الخاص وحدت من الدعم على السلع الاستهلاكية ومصروفات الدولة التي استهلكت في السابق ميزانيات الحكومات. مثل هذا النمط الواشنطني من الإجماع على الرأي في الإصلاحات الاقتصادية زاد من حدة التفاوت الاقتصادي وجعل الحياة أكثر صعوبة للفقراء، ولكنها أيضاً أوجدت مجالات جديدة أمام أصحاب الأعمال المحليين وفتحت المجال أمام الطبقات الثرية للتمتع بخيارات أوسع من السلع الاستهلاكية بواسطة الأنظمة التجارية المتحررة. بعض الاختصاصيين في دراسات الشرق الأوسط اعتقدوا بأن التحرر الاقتصادي قد يخلق أسس جديدة من الدعم للمتسلطين العرب وتدعم النمو الاقتصادي اللازم لمتباطئة تحديات الزيادة السكانية (كما حدث أن الإصلاحات الاقتصادية في تركيا أدت للمزيد من الدعم لحزب العدالة والتنمية الحاكم). أبان ذلك دفع الحكومات الغربية لفكرة الإصلاح الاقتصادي شكلت خطوة نحو الإصلاحات السياسية.

ولكن هذه الإصلاحات الاقتصادية تمخضت على نتائج عكسية بالنسبة لمعظم تلك الحكومات التي اعتمدتها بالكامل: القاهرة وتونس. بينما كل من مصر وتونس حققتا نمواً اقتصادياً جيداً وتلقت المديح من صندوق النقد الدولي حتى عام 2010، إن تحويل الملكيات العامة للقطاع الخاص لأسباب سياسية لم تزد من استقرار أنظمتها. بدلاً من ذلك خلقت طبقة جديدة من رجال الأعمال فاحشي الثراء، بينهم أعضاء من عائلة الرئيس في كل من الدولتين، التي أصبحت محط للغضب الشعبي الشديد. وتصور أن هؤلاء المنتفعين من الإصلاح الاقتصادي سيدعمون الأنظمة التسلطية برهنت أنها من نسج الخيال. إن أصحاب الأعمال والمال الكبار الذين رعتهم الدولة إما فروا أو لم يتمكنوا من الوقوف في وجه الأحداث وانتهى بهم الأمر في سجون الثوار. أبناء الطبقة الوسطى العالية لم يتظاهروا دعماً لبن علي ومبارك. بل علة العكس البعض منهم أصبحوا من عداد قادة الثورة.

من سخريات القدر أن وجه الثورة المصرية وائل غنيم، كان المدير المصري لغوغل. إنه بالذات ذلك الإنسان الذي كان مؤهلاً ليبرز في مصر في عهد مبارك – يتقن لغتين ومثقف خريج الجامعة الأمريكية في القاهرة ومكانه بالتحديد مجال الأعمال العالمي. ومع ذلك جازف بمستقبله وحياته لتنظيم حملة “كلنا خالد سعيد” في صفحة “فيس بوك” Facebook، تخليداً لذكرى رجل ضربه رجال شرطة مبارك حتى الموت، الشيء الذي ساعد على حشد المصريين ضد النظام.

لما رأى الحكام العرب ما حدث في مصر وتونس، سارعوا لاسترضاء موظفي الدولة بزيادة أجورهم وألغوا مشروع إلغاء دعم المواد الغذائية وزادوا عدد وظائف الدولة. وعلى سبيل المثال في المملكة العربية السعودية، قام الملك عبد الله في شياط/فبراير وآذار/مارس بالإعلان عن خطة صرف مئة بليون دولار. السعوديون لديهم فائض من أموال النفط ليلتزموا بهذه الوعود. في الدول العربية الغير نفطية، مثل الأردن، التي ألغت عملية الإصلاح الاقتصادي في منتصف الطريق عندما بدأت المشاكل تواجهها، الحكومات قد لا تمتلك العقد الاجتماعي القديم، الذي بواسطته تؤمن الدولة الأمن الاقتصادي الأساسي في مقابل الولاء. تونس ومصر المحررتين مؤخراً لا تزالان تواجهان بلاويهما الموروثة. القوة الانتخابية المستقوية ستطالب بإعادة توزيع الثروة التي لا تملكها الحكومات، وإعادة التفاوض حول العقد الاجتماعي القديم التي لا تقدر الدول على تمويله.

الكثيرين من علماء الشرق الأوسط فهموا أن البرامج الاقتصادية الليبرالية الجديدة كانت تشكل مشاكل سياسية للحكومات العربية، ولكن القليلين منهم رأوا سلفاً نتائج الهزات التي ستواجه أنظمتهم. الأكاديميون غالوا في نتائج الإصلاح للنمو الاقتصادي الذي أدخلته الإصلاحات والخبطة السياسية لهؤلاء المنتفعين من مثل هذه السياسات. كانت النتيجة، قللوا من الاشمئزاز الشعبي من الفساد والخصخصة الخدينة التي رافقت الإصلاح.
لا تزال أموال النفط مرتكزاً يعتمد عليه إلى حد ما لتأمين الاستقرار، على أقل تعديل عندما تكون مرتفعة. على كل في تركيزنا على كيفية قيام الأنظمه العربية بتأمين الاستقرار بواسطة أموال النفط. علماء الشرق الأوسط أهملوا نتائج عدم الاستقرار للتطبيق السيئ للسياسات الاقتصادية الليبرالية في الوطن العربي.

عامل آخر سهي عنه اختصاصيو شؤون الشرق الأوسط كان له علاقة أقل بالسياسات والمؤسسات من الهوية العربية عبر الحدود. لم تكن من الصدف أن تقوم  انتفاضات سياسية متتالية مهمة عبر الوطن العربي. لقد تابع الناشطون والمثقفون العرب بانتباه شديد احتجاجات الحركة الخضراء في إيران عام 2009، ولكن لم ينزل أي عربي إلى الشارع مضاهاة لجيرانهم الإيرانيين. ومع ذلك بعد شهر من إشعال بائع خضار في تونس النار بنفسه، هبت الثورات في الوطن العربي. فإذا كان هنالك من شك بأن لدى العرب شعور بهوية سياسية واحدة بالرغم من كونهم يعيشون في 20 دولة مختلفة (عدد الدول العربية هو 22 دولة — المترجم)، أحداث السنة الحالية يجب أن تريحهم.

مثل هذه المشاعر العربية الوحدوية القوية يجب ألا تثير العجب قي صفوف المجتمع الأكاديمي. الكثير من العمل حول السياسة العربية تركز على القومية والوحدة العربيتين، قدرة القادة العرب على حشد الدعم السياسي عبر الحدود يعتمد على فكرة بأن كل العرب يشتركون بهوية سياسية ومصير عربي موحد. ولكن مع ذلك اعتقدوا بأن الشعور بالهوية العربية قد اضمحل في السنوات الماضية نتيجة لهزيمة حرب  1967 مع “إسرائيل”. مصر والأردن وقعت معاهدات سلام مع “إسرائيل”، والفلسطينيين وسوريا دخلوا في مفاوضات مباشرة معها، كاسرين بذلك حرم قومي عربي. الولايات المتحدة قادت حرباً ضد العراق في 1990-90 وابتداءً من 2003 أوجدت معارضة في الوطن العربي ولكنها لم تزعزع الحكومات العربية التي تعاونت مع مخططات الولايات المتحدة العسكرية – ظاهرة اضمحلال فكرة القومية العربية مثلها مثل مناعة الحكومات العربية ضد المشاعر الشعبية. يبدو أن الدول العربية قد أصبحت من القوة بمكان (مع بعض الاستثناءات، مثل لبنان والعراق بعد صدام) لدرأ الضغط الأيديولوجي من خارج الحدود. معظم علماء الشرق الأوسط اعتقدوا أن فكرة القومية قد ذهبت في سبات عميق.

لقد سهوا عن الموجة المشتركة لعام 2011. مع أن أحداث السنة الحالية تعبر عن الأهمية الدائمة للهوية العربية، أخذت القومية العربية شكلاً مختلفاً تماماً عن ذلك الذي أخذته فبل نصف قرن تحت قيادة جمال عبد الناصر. في ذلك الوقت، كان عبد الناصر، قائد ذو شخصية آسرة، على رأس حكومة قوية، بشر بآراء شعبية ودفع بالأمور في دول عربية أخرى، مستعملاً التقنية الجديدة بأيامه – راديو ترانزيستور – ليدعو العرب ليعارضوا حكوماتهم ويتبعونه. الآن، نوعية الحشد الشعبي الذي يفتقر للقيادة في مصر وتونس جعلت من نفسها مصدراً للوحي عبر الوطن العربي.
في العقود الماضية، القادة العرب، أبرزهم صدام حسين إبان حرب الخليج، حاولوا تبني أسلوب وعقلية عبد الناصر بإثارة ودعم حركات شعبية عربية. حتى الزعيم الروحي الإيراني، الفارسي وغير عربي ، أية الله روح الله خميني، استنجد بالإسلام لحشد العرب تحت رايته. جميع هذه المحاولات فشلت. عندما طرد الشعب في تونس ومصر دكتاتوريهما الفاسدين، عرف عرب آخرون بأن بإمكانهم أن يقرنوا أنفسهم بهم. إن حقيقة نجاح هذه الثورات أعطت الأمل (في بعض الحالات – البحرين – أعطت آمالاً كاذبة) لعرب آخرين ليحققوا الشيء ذاته. العدو الموحد لثورات 2011 ليس الاستعمار أو “إسرائيل” أو القوة الأمريكية ولكن العدو هو الحكام العرب أنفسهم.

على الأكاديميين أن يقوموا أهمية الهوية العربية المرممة لفهم مستقبل السياسة العربية. على عكس سابقتها لا تبدو الوحدة العربية على أنها تتعدى حدود الخارطة الإقليمية. العرب لا يتظاهرون ليحلوا دولهم لدمجها في وحدة عربية؛ أهدافهم بالكامل محلية. ولكن الثورات العربية بينت أن ما يحدث في دولة عربية قد تؤثر على غيرها بشكل غير منتظر وبقوة. فعلى هذا الأساس، ليس بإمكان العلماء ومخططي السياسات بعد الآن مقاربة الدول على أساس كل حالة على حدة. ستواجه الولايات المتحدة أوقات صعبة قي دعمها للديمقراطية في دولة عربية واحدة، مثلاً مصر، بينما تقف على الرصيف الأخر لتشاهد حليف آخر، مثل البحرين، تبطش بمظاهرات سلمية محلية.

بالإضافة إلى ذلك، الوحدة العربية الجديدة ستعيد قضية السلام العربي-”الإسرائيلي” إلى الواجهة، مع أنه لم تقم أي من الثورات العربية باسم الفلسطينيين، على الأنظمة العربية الديمقراطية أن تعكس الرأي العام حول “إسرائيل”, التي ستبقى على مستوى متدني.الرأي العام العربي حول الولايات المتحدة يتأثر بالآراء العربية حول الصراع العربي – “الإسرائيلي” بالإضافة لتصرفات الولايات المتحدة في دول عربية أخرى، نتيجة لذلك، على الولايات المتحدة أن إعادة بعث مفاوضات السلام العربية – “الإسرائيلية” لتوقع طلبات الشعب العربي عبر الشرق الأوسط.

على الأكاديميين الاختصاصيين بالسياسة العربية،مثلاً أنا، علينا أن نفككن علة الأكاديميون أن يعيدوا النظر في الأمر ملياً وطويلاً. هذا من ناحيتين مثير فكرياً ومرعب. تفسير استقرار الدكتاتوريون العرب كان مهمة تحليلية مهمة، ولكنها دفعت بعضنا إلى التقليل من قيمة قوى التغيير التي تندلع في الأسفل، وفي بعض الأحيان من أعلى سطح السياسة العربية. يستحيل على علماء الاجتماع تقديم تكهنات محددة حول الوطن العربي، وهذا يجب ألا يكون هدفاً. ولكن على الأكاديميين إعادة النظر بافتراضاتهم بالنسبة لعدد من الأمور، بما فيه دور العسكر في السياسة العربية وتأثير التغيير الاقتصادي علة الاستقرار السياسي وبروز الهوية العربية عبر الحدود كي نتمكن من فهم كيفي سينتهي الأمر بالسياسة العربية.

كما الأمثال التي تحتذي والنظريات تمزقها الأحداث على الأرض، من المفيد أن نستذكر بأن الثورات العربية لم تنتج عن قرارات سياسية اتخذت في واشنطن أو أي عاصمة أجنبية، ولكن نتيجة عوامل اقتصادية وسياسة واجتماعية وطنية التي كان من الصعب جداً توقعها. غداة انتفاضات غير متوقعة، على كل من الأكاديميين وصناع القرار أن يقاربوا الوطن العربي بوضاعة حول إمكانياتهم تشكيل مستقبلها. من الأفضل ترك ذلك للعرب أنفسهم.

(Tlaxcala)

أكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*